اخر الاخبار

الثلاثاء، 13 يناير 2026

اسرائيل في فكر المسيري



لا تزال المسألة الصهيونية تُمثل التحدي الأكبر للعقل العربي المعاصر، ليس فقط لكونها صراعاً على الأرض والمقدسات، بل لأنها معركة مفاهيمية كبرى ظلت حبيسة قراءتين اختزاليتين لزمن طويل: قراءة صهيونية تروج لأسطورة 'الشعب الواحد والعودة الحتمية'، وقراءة عاطفية ترى في الصراع قدراً غيبياً أو مؤامرة محكمة النسج.

وسط هذا الركام الفكري، برز مشروع الدكتور عبد الوهاب المسيري (1938-2008) كأهم محاولة منهجية لتفكيك هذه الظاهرة بعيداً عن الانفعال والسطحية. في كتابه المركزي "من هم اليهود؟ وما هي اليهودية؟"، يضع المسيري يدنا على 'مبضع الجراح' الفكري، من خلال نموذجه الشهير 'الدولة الوظيفية'.

فالمسيري لا ينظر إلى إسرائيل بوصفها تجسيداً لديانة، بل بوصفها 'مشروعاً تحديثياً غربياً' نُقل إلى الشرق لأداء وظيفة محددة. في هذا المقال، نستعرض كيف استطاع المسيري تفكيك مفهوم الوحدة اليهودية المزعومة، وكيف ميز بين التطور التاريخي للدين اليهودي وبين التوظيف السياسي له، وصولاً إلى فهم التناقضات البنيوية التي تحكم كياناً يحاول التوفيق بين ديمقراطية الغرب وعنصرية الاستيطان، وبين علمانية الدولة وقداسة النص.


عبد الوهاب المسيري وتفكيك بنية الكيان الصهيوني: من الهوية الدينية إلى الوظيفة الاستعمارية

ينطلق تحليل الدكتور عبد الوهاب المسيري من ضرورة تحرير المصطلحات من أسر الدعاية الصهيونية، حيث يبدأ بـ تفكيك مفهوم "الوحدة اليهودية". يرى المسيري أن "اليهود" ليسوا كتلة عرقية أو حضارية واحدة، بل هم جماعات بشرية متنوعة تخضع لـ "ثقافة الوعاء"؛ فاليهودي الفرنسي هو نتاج الثقافة الفرنسية، واليهودي اليمني هو ابن الثقافة العربية، ولا يجمع بينهم سوى شعائر دينية تختلف تأويلاتها باختلاف المجتمعات. وبهذا، يسقط المسيري دعوى "القومية اليهودية" التي تروج لها الصهيونية، مؤكداً أن الاستجابة للتاريخ والبيئة أقوى من أي رابط عِرقي موهوم.

وفي سياق هذا التفكيك، يميز المسيري بدقة بين مرحلتين تاريخيتين للدين اليهودي: اليهودية التوراتية واليهودية الحاخامية. فالأولى كانت ديانة قديمة ارتبطت بـ "الهيكل" والقرابين وانتهت تاريخياً بسقوطه، بينما الثانية (الحاخامية) هي التي صاغها الأحبار عبر "التلمود" لتمكين اليهود من التعايش مع الشتات وتحويل الدين إلى منظومة قيم وأخلاق تنتظر "المخلص" إلهياً. وهنا تظهر خطورة الصهيونية؛ فهي حركة علمانية بامتياز، قامت بالسطو على رموز "اليهودية التوراتية" (كالأرض والوعد) وأعادت صياغتها في قالب سياسي قومي، متجاوزةً بذلك "اليهودية الحاخامية" التي كانت ترفض العودة القسرية للأرض قبل إرادة الله.

هذا التحول من الدين إلى الأيديولوجيا يفسر لنا نشوء "الدولة الوظيفية"، وهو المصطلح الأهم في مشروع المسيري. فإسرائيل، في نظره، لم تُنشأ استجابةً لأشواق دينية، بل وُجدت لتؤدي "وظيفة" مزدوجة: حل المشكلة اليهودية في أوروبا عبر تصدير "الفائض البشري" غير المرغوب فيه، وزرع قاعدة بشرية وعسكرية في قلب العالم العربي لحماية المصالح الاستعمارية الغربية. وبناءً على هذا "العقد الوظيفي"، يتعهد الغرب بضمان بقاء وتفوق إسرائيل، مقابل قيامها بدور الحارس لمصالحه الحيوية.

إلا أن هذا الكيان الوظيفي يظل محاصراً بـ أزمة هوية بنيوية لا تجد حلاً؛ فهو يتأرجح بين تعريفين متناقضين لـ "اليهودي": التعريف الديني (من ولد لأم يهودية) والتعريف العلماني القومي. هذا التخبط يخلق صراعاً داخلياً مريراً بين العلمانيين والمستوطنين المتدينين، ويجعل من إسرائيل "ثكنة عسكرية" دائمة القلق، تفتقر إلى الاستقرار الطبيعي للدول، وتخشى اللحظة التي تنتهي فيها صلاحية وظيفتها لدى القوى الكبرى.

خلاصة إجمالية

إن رؤية المسيري في هذا الكتاب تتجاوز القشور السياسية لتصل إلى عمق الفلسفة الاجتماعية؛ فهو يثبت أن الصراع ليس صراعاً "دينياً أبدياً" مغلقاً، بل هو مواجهة مع مشروع استعماري (صهيوني) استخدم الدين غطاءً لشرعنة وجوده. إسرائيل، وفق هذا النموذج، هي كيان "وظيفي" غريب عن المنطقة، يستمد قوته من الخارج لا من تجانسه الداخلي. وبالتالي، فإن فهمنا لهذا الكيان يجب أن ينطلق من كونه ظاهرة "بشرية وتاريخية" قابلة للتفكيك والزوال، وليس قدراً محتوماً، طالما أن مبررات وجوده مرتبطة بوظيفة سياسية متغيرة، لا بجذور حضارية حقيقية في الأرض.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.

Adbox