اخر الاخبار

السبت، 31 يناير 2026

"القـ.ـتل باسم الهوية"



في كتابه "القتل باسم الهوية" يعتبر فاميك فولكان أن الهوية الجماعية تشبه "خيمة كبيرة" تمنح الأفراد شعوراً بالأمان والارتباط، لكنها في أوقات الأزمات تتحول إلى سجن عاطفي يعزل "نحن" عن "هم". هذه العملية تبدأ من حاجة نفسية فطرية للتميز، إلا أن القادة النرجسيين والظروف القاسية يشحنون هذا التميز بالكراهية، مما يؤدي إلى "التراجع النكوصي" للمجتمع؛ حيث يتخلى الأفراد عن تفكيرهم النقدي المستقل لصالح الانصهار الكامل في الجماعة، ويصبح الحفاظ على "نقاء" هذه الهوية أهم من الحفاظ على الحياة نفسها، مما يمهد الطريق لشرعنة العنف كأداة لحماية حدود هذه "الخيمة" النفسية.

ويعد مفهوم "الصدمة المختارة" الركيزة الأكثر عمقاً في تحليل فولكان، حيث يوضح أن الشعوب التي تعرضت لهزائم تاريخية أو إبادات لا تنسى آلامها بمجرد مرور الزمن، بل تقوم بـ "توريث" هذه الجراح للأجيال القادمة كجزء أساسي من تعريفها لذاتها. وعندما يواجه المجتمع تهديداً في الحاضر، يتم استحضار هذه الآلام الماضية وتنشيطها كأنها حدثت بالأمس، فيما يُعرف بـ "الانهيار الزمني"، حيث يختلط وجع الماضي بتهديد الحاضر، مما يولد رغبة عارمة في الانتقام أو الدفاع الاستباقي. هذا الاستدعاء التاريخي غالباً ما يقابله "مجد مختار"، وهو تضخيم لانتصارات قديمة لتعويض الشعور بالدونية، مما يخلق مزيجاً متفجراً من الغرور الجريح والرغبة في استعادة الكرامة المسحوقة عبر تحطيم الآخر.

في هذا السياق، يلعب "القادة النرجسيون" دور المحفز الكيميائي للصراع، فهم يمتلكون قدرة فائقة على تلمس جراح الهوية الجماعية واستغلالها. يقوم هؤلاء القادة بصناعة "جدران نفسية" من خلال لغة تجرد العدو من إنسانيته، وتصويره كـ "شيطان" أو "حشرة" يجب سحقها. ومن خلال آلية "الإسقاط"، يتم إسقاط كل الصفات السيئة والمخاوف الداخلية للمجموعة على العدو، وبذلك يصبح القضاء عليه فعلاً أخلاقياً وتطهيرياً في نظرهم. هذا التجريد من الإنسانية هو ما يفسر كيف يمكن لجيران عاشوا بسلام لعقود أن يتحولوا فجأة إلى قتلة، لأنهم لم يعودوا يرون في "الآخر" إنساناً، بل رمزاً لكل الصدمات والتهديدات التي تعرضوا لها تاريخياً.

أخيراً، يؤكد فولكان أن إنهاء الحروب لا يتحقق بمجرد توقيع معاهدات سياسية أو تقاسم للموارد، لأن النزاعات الحقيقية تسكن في العقول لا في الأوراق.

 فما لم يتم التعامل مع "الحداد الجماعي" وتفكيك العقد النفسية المتمثلة في الصدمات الموروثة، فإن السلام يبقى هشاً وقابلاً للانهيار عند أول أزمة. الكتاب يدعو إلى نوع جديد من الدبلوماسية يعتمد على "الفهم النفسي" للآخر، وضرورة الاعتراف المتبادل بالآلام التاريخية، لأن تجاهل الجروح النفسية للشعوب يجعل من "القتل باسم الهوية" دورة دموية لا نهائية تنتظر فقط القائد المناسب واللحظة الحرجة لتبدأ من جديد.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.

Adbox